النويري

269

نهاية الأرب في فنون الأدب

أنزلت في ذلك * ( ( فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) ) * . وقد قيل في هذا الحديث إنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ندب الزبير أوّلا إلى الاقتصار على بعض حقّه على طريق التوسّط والصّلح ، فلمّا لم يرض الأنصارىّ بذلك وقال ما قال ، استوفى النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم للزبير حقّه . ويصحّح هذا القول ما جاء في آخر الحديث : « فاستوعى [ 1 ] له حقّه » يعنى للزبير . ثم لم ينتدب للمظالم من الخلفاء الأربعة رضى اللَّه عنهم أحد ، وإنما كانت المنازعات تجرى بين الناس فيفصلها حكم القضاء . فإن تجوّز من جفاة الأعراب متجوّز ، ثناه الوعظ إن تدبّره ، وقاده العنف إن أبى وامتنع ، فاقتصروا على حكم القضاء ، لانقياد الناس اليه والتزامهم بأحكامه . ثم انتشر الأمر بعد ذلك وتجاهر الناس بالظلم والتغالب ، ولم يكفّهم زواجر المواعظ ، فاحتاجوا في ردع [ 2 ] المتغلَّبين وإنصاف المظلومين من الظالمين إلى النظر في المظالم ؛ فكان أوّل من انفرد للمظالم وجعل لها يوما مخصوصا يجلس فيه للناس وينظر في قصصهم ويتأمّلها عبد الملك ابن مروان ، فكان إذا وقف فيها على مشكل ردّه إلى قاضيه أبى إدريس الأودىّ فنفّذ فيها أحكامه ، فكان عبد الملك هو الآمر وأبو إدريس هو المباشر . ثم زاد جور الولاة وظلم العتاة واغتصاب الأموال في دولة بنى أميّة ، إلى أن أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز - رحمه اللَّه - فانتصب بنفسه للنظر في المظالم ، وراعى السنن العادلة ، وردّ مظالم بنى أميّة على أهلها ؛ فقيل له - وقد شدّد عليهم فيها وأغلظ - : إنا نخاف عليك ، من ردّها ، العواقب ؛ فقال : كل ما أتقّيه وأخافه دون

--> [ 1 ] استوعى له حقه : استوفاه له كله . [ 2 ] كذا في الأحكام السلطانية . وفى الأصل « إلى ردّ المتغلبين » .